محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
425
الإنجاد في أبواب الجهاد
يحصل منه في الجهاد فعل الفارس ، ولا الإعداد له ، لاختياره الرَّجلة ببيع فرسه قَبْلُ . قال الله - تعالى - : { وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } [ الأنفال : 60 ] ، فهذا لم يحصل منه في ذلك إعداد ، ولا للعدوِّ إرهاب ، فلم يكن من فوارس الجهاد . وأما من دخل راجلاً ، ثم اشترى فرساً ، فقاتل عليه حتى غنموا ، فهو داخلٌ تحت أمره - تعالى - بإعداد الخيل وإرهاب العدوِّ بها في الغزو ، فقد حصل منه في الجهاد عمل الفارس ، في الوقت الذي يحتاج إليه فيه باتفاق ، فكان له سهم الفارس بالكتاب والسنة والنظر الصحيح ، خلافاً لنظر أبي حنيفة . وأما قول سحنون فيمن حضر القتال على فرسٍ يوماً ثم باعه من آخر فقاتل عليه ، ثم باعه من ثالثٍ فقاتل عليه يوماً ثالثاً ، فكان الفتح ؛ أن سهم الفرس للبائع الأول : فغير متوجّه ؛ لأن البائع الأول باعه قبل حضور القتال المسبِّب لإحراز الغنيمة ، فلم يكن من فرسان الغنيمة ، بخلاف من مات فرسه بعد شهود شيءٍ من مشاهد القتال ؛ لأنه مجتهدٌ معدٌّ ، عَمِلَ في أصحاب الخيل بحسب وسعه ، ثم هو مغلوب في هلاكه ، لم يكن منه نكولٌ ولا إسقاطٌ ، لما تصدَّى للعمل فيه ، والبائع مختارٌ راجع عن عمل الفارس قبل الإتمام ، وكذلك يكون الحكم في البائع الثاني ، وإنما يستحق سهم الفرس من هو مالكه ، والمقاتِل عليه إلى حين إحراز الغنيمة ، وهذا ظاهرٌ إن لم يكن في شيءٍ من ذلك - القتال الذي حضره بالفرس بائعه - أثرٌ يُعرفُ في تسبيب الاغتنام ، مثل أن يكون ذلك القتال من نحو التَّرامي والمطاردة ، ثم يتحاجزون على غير نكايةٍ تؤثر في العدو وتكسر منه ، فأما إن كان لكل مشهدٍ من مشاهد تلك الأيام أثرٌ في ذلك الفتح والاغتنام يُعرف ، كما لو كان يُنكى فيها العدوُّ ، ويُنتهك منه شيءٌ بعد شيء ، حتى حصل الاستيلاء بذلك عليه في اليوم الثالث أو بعده ؛ فهذا يشبه أن يقال فيه : إن سهم الفرس يقسم بينهم ثلاثتهم ؛ لأن كل واحدٍ منهم قاتل عليه بملكٍ صحيحٍ قتالاً مؤثراً في إحراز